الراغب الأصفهاني
355
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ما يحسن ترك العدل فيه ترك العدل إلى الظلم عمدا في جميع الأحوال مذموم والخارج عنه إلى الظلم مستوجب بقدر خروجه عنه سخطا من اللّه عز وجل إلا أن يتغمده اللّه تعالى بعفوه ، وأما الخارج عنه إلى الانظلام أي التزام الظلم فقد يحمد . والانظلام من حيث الكمية ثلاثة أضرب : انظلام : في المال وهو الاستخذاء للظالم في أخذ ماله . وانظلام في الكرامة : وهو الاستخذاء في بخس منزلته من التعظيم . وانظلام في النفس : وهو استخذاء لمن يؤلمه وكل واحد يكون محمودا ومذموما ، ومن حيث الكيفية ضربان : محمود ومذموم : فالمحمود التغاضي عن حق له في المال أو في الكرامة أو في النفس بقدر ما يحسن وفي وقت ما يحسن وهو المعبر عنه بالانخداع والتغافل الذي قيل فيه : العقل مكيال ثلثه فطنه وثلثاه تغافل ، وإياه قصد معاوية رضي اللّه عنه بقوله ( من خدعك فانخدعت له فقد خدعته ) وقال الشاعر : ممن يعز على الثناء فيخدع . وذلك إذا كان في مال فمسامحة ، وإذا كان في النفس فعفو ، وإذا كان في الكرامة فتواضع . وأما على الوجه المذموم : ففي المال غبن وفي الرأي غبن وفي النفس والكرامة هوان ومذلة . وقد تقدم أن الأفضال والإحسان أشرف من العدل إذا كان الحكم بينك وبين غيرك فأما إذا حكمت بين اثنين فليس إلا العدل وإنما الإحسان إلى المتحاكمين ، ولهذا قال تعالى : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ « 1 » الآية ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 2 » ، وقال لمن له الحق : وَإِنْ
--> ( 1 ) المائدة / 42 . ( 2 ) النساء / 51 .